نادراً ما تدور النزاعات حول الأنهار بشأن المياه وحدها، فهي ترتبط أيضًا بالقوة والجغرافيا والقواعد التي تحول دون تحول الميزة الطبيعية التي تتمتع بها دولة ما إلى مصدر دائم لتهديد دولة أخرى. ويرى الدكتور عبد اللطيف المنّاوي، الكاتب في «يوراسيا ريفيو»، أن التصريحات الإثيوبية الأخيرة تشير إلى دخول الخلاف حول النيل الأزرق مرحلة أكثر خطورة، في ظل توجه أديس أبابا إلى التعامل مع النهر باعتباره أداة نفوذ استراتيجي تتجاوز توليد الطاقة الكهرومائية.


وفي مقال نشرته «يوراسيا ريفيو»، يشير المنّاوي إلى تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي حبتمو جيتا، الذي قال إن «مفاتيح» نهر أباي، وهو الاسم الذي تطلقه إثيوبيا على النيل الأزرق، أصبحت في أيدي بلاده، وإن النهر يجري وفق القرارات الإثيوبية. ورغم الجدل حول الترجمة الدقيقة للتصريح، يرى الكاتب أن دلالته السياسية واضحة، إذ تعتقد أديس أبابا أن سد النهضة منحها القدرة المادية على تنظيم تدفق النهر، وتسعى إلى تحويل هذه القدرة إلى نفوذ استراتيجي.


وتزامنت هذه التصريحات مع تجدد خطط إنشاء ثلاثة مشروعات كهرومائية أخرى، هي كارادوبي ومندايا وبيكو أبو، بتكلفة متوقعة تبلغ نحو 10.5 مليار دولار، وبقدرة توليد إجمالية تصل إلى نحو 5700 ميغاواط، أي ما يزيد قليلًا على القدرة المركبة لسد النهضة نفسه.

 


من سد النهضة إلى شبكة من السدود


لا تزال هذه المشروعات في مراحل التخطيط والتعاقد الأولي، خلافًا لما توحي به بعض التقارير التي تتحدث عنها باعتبارها مشروعات دخلت مرحلة متقدمة. ولا توجد أدلة موثوقة على إبرام عقود إنشاء نهائية أو تحديد جهات تمويل أو بدء أعمال رئيسية على الأرض. وتشير التقييمات الإثيوبية إلى أن المشروعات لا تزال في مرحلتي التخطيط والتجهيز، فيما تخضع التصميمات والتكاليف والجداول الزمنية للتغيير.


لكن النية الاستراتيجية تبدو واضحة؛ فلم تعد إثيوبيا تفكر في سد واحد، وإنما في شبكة من الخزانات يمكنها إعادة تشكيل طريقة إدارة مياه النيل الأزرق.


وترافق هذا الطموح مع خطاب أكثر حدة. فقد دعا شيفراو جارصو، وزير المياه الإثيوبي السابق، حكومته إلى المطالبة بتعويض من مصر مقابل استخدام مياه النيل، مستندًا إلى أن إثيوبيا تساهم بنحو 86% من تدفق النهر. ووسّع جارصو لاحقًا نطاق اتهاماته، زاعمًا أن مصر سعت تاريخيًا إلى إضعاف إثيوبيا وحرمانها من الوصول إلى البحر الأحمر ودعم قوى ساهمت في انفصال إريتريا.


ولم يعد جارصو يشغل منصبًا حكوميًا، ولذلك لا ينبغي عرض تصريحاته باعتبارها سياسة إثيوبية رسمية. لكن تكرار نشرها عبر وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية يكتسب دلالة مهمة، إذ يوحي بأن نزاع النيل يدخل ضمن سردية أوسع تتعلق بما تصفه إثيوبيا بالحصار الاستراتيجي، وتشمل البحر الأحمر وإريتريا وتوازن القوى الإقليمي.


ولا تنتمي الأنهار الدولية إلى الدولة التي ينبع منها النهر. فالجغرافيا تمنح الدولة الواقعة أعلى المجرى قدرة مادية على التأثير، لكنها لا تمنحها ملكية قانونية للمياه. ويُعد النيل مجرى مائيًا دوليًا مترابطًا، وتؤثر القرارات التي تتخذها إثيوبيا في مرتفعاتها على خزانات السودان ومزارعه ومجتمعاته قبل وصول المياه إلى مصر، التي تعتمد على النهر في الحصول على معظم احتياجاتها من المياه العذبة.

 


حق التنمية لا يعني التحكم المنفرد في النهر


يحق لإثيوبيا توليد الكهرباء وتنمية اقتصادها، لكنها لا تملك حق تحديد كيفية تخزين نهر مشترك أو تنظيم مياهه أو إطلاقها بشكل منفرد. كما لا يمكن اختزال مبدأ «الاستخدام المنصف والمعقول» في نسبة الأمطار التي تسقط داخل حدود كل دولة.


ويجب أن يأخذ الإنصاف في الاعتبار احتياجات السكان، والاعتماد القائم على المياه، والاستخدامات المحتملة، والبدائل المتاحة، والظروف البيئية، والآثار المترتبة على الدول الأخرى نتيجة تصرفات دولة واحدة.


وترتبط هذه المبادئ بواجبات التعاون وتبادل المعلومات ومنع الضرر الجسيم وتقديم إخطار مسبق بالمشروعات التي يمكن أن تترك آثارًا عابرة للحدود. ولا يُعد الإعلان عن ثلاثة سدود إخطارًا مسبقًا بالمعنى القانوني. فالإخطار الصحيح يتطلب تقديم المواصفات الفنية، وسعات الخزانات، والتقييمات البيئية، وجداول الملء، وقواعد التشغيل، إلى جانب توضيح كيفية عمل الخزانات المقترحة بالتزامن مع سد النهضة، خصوصًا خلال سنوات الجفاف المتتالية.


ويشير الكاتب إلى أن المسؤولين الإثيوبيين محقون في القول إن السدود الكهرومائية لا تستهلك المياه بالطريقة نفسها التي تستهلكها مشروعات الري الكبرى، إذ تستطيع المياه المرور عبر التوربينات ومواصلة تدفقها نحو دول المصب. لكن الخزانات تغير توقيت تدفق المياه وطريقة إدارتها، بينما تحدد فترات الملء وقرارات التخزين والتبخر وسياسات مواجهة الجفاف كمية المياه التي تصل إلى دول المصب وتوقيت وصولها.


ويمكن لسلسلة من السدود المنسقة أن تحقق فوائد مشتركة، مثل توليد الكهرباء والسيطرة على الفيضانات وتحسين القدرة على التنبؤ بالتدفقات الموسمية. أما سلسلة السدود غير المنسقة فقد تخلق اعتمادًا هيكليًا، بحيث تعتمد مصر والسودان على قرارات تتخذها حكومة تقع في أعلى المجرى من دون وجود اتفاق ملزم بشأن تشغيل هذه المنظومة.


وتبدو المخاطر أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى السودان، إذ تقع سدوده ومجتمعاته السكانية بالقرب من إثيوبيا، ما يترك وقتًا محدودًا للتعامل مع عمليات إطلاق مفاجئة أو غير منسقة للمياه. وقد تعود إدارة التدفقات بالفائدة على السودان، لكن الإدارة من دون بيانات موثوقة وإنذار مسبق وقواعد متفق عليها لا تعني أمنًا مائيًا، بل تعني اعتمادًا يُقدَّم في صورة تعاون.

 


مصر تواجه مشروع التحكم في النيل بالقانون والتنمية


يرى المنّاوي أن المقترح القائل بضرورة دفع مصر مقابل مياه النيل يصعب الدفاع عنه بدرجة أكبر. فالأمطار التي تهطل على المرتفعات الإثيوبية لا تتحول إلى سلعة مملوكة للدولة الإثيوبية. والمياه الطبيعية التي تعبر الحدود لا تُعد صادرات، كما أن دولة المصب لا تُعد مستوردًا للمياه.


ويمكن للدول الاتفاق على شراء الكهرباء، أو تمويل حماية أحواض الأنهار، أو إنشاء بنية تحتية مشتركة، أو تقاسم المنافع الاقتصادية، وهي أشكال مشروعة من التعاون. لكنها تختلف جذريًا عن فرض رسوم مقابل التدفق الطبيعي للنهر. فالنيل لا يمكن تحويله إلى طريق برسوم مرور.


وتكتسب استجابة مصر الأخيرة أهمية خاصة لأنها تتجاوز التحذيرات إلى طرح رؤية أوسع. فقد أصدر وزير الخارجية بدر عبد العاطي ووزير الموارد المائية والري هاني سويلم بيانًا مشتركًا يجمع بين الرفض القانوني للتحركات الأحادية والاستراتيجية التنموية الأوسع في حوض النيل.


وأكد البيان مبادئ الإخطار المسبق والتشاور والاتفاق ومنع الضرر، كما سلط الضوء على آلية تمويل مصرية لمشروعات التنمية، تشمل السدود في جنوب حوض النيل، وفقًا لأولويات الدول المعنية.


ويمثل ذلك تمييزًا استراتيجيًا مهمًا؛ فمصر لا تعارض السدود في حد ذاتها. فقد ساهمت شركات مصرية في تنفيذ مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري للطاقة الكهرومائية في تنزانيا، بينما تدعم القاهرة إنشاء الآبار وأنظمة الحماية من الفيضانات والمنشآت النهرية ومشروعات مراقبة المياه في أنحاء إفريقيا. ويتمثل اعتراضها في التحكم الأحادي في مجرى مائي دولي مشترك.


وينبغي للقاهرة أن تطالب بالكشف الكامل عن المشروعات الإثيوبية وإجراء تقييم مستقل لآثارها التراكمية. كما ينبغي أن يدرك الممولون والمقاولون وشركات التأمين المخاطر القانونية والسياسية المرتبطة بالبنية التحتية الكبرى على نهر دولي، في ظل غياب تقييم مناسب للآثار التي قد تلحق بدول المصب.


ولا يزال الخلاف في جوهره سياسيًا أكثر منه هندسيًا أو ماليًا. فلم تُعلن جهات تمويل نهائية أو عقود إنشاء للمشروعات الثلاثة الجديدة بصورة رسمية حتى الآن. لكن الرسالة التي تخرج من أديس أبابا تبدو واضحة: إثيوبيا تملك «المفاتيح»، ومرتفعاتها تمثل المكان الأفضل لتخزين المياه، وعلى مصر أن تتكيف، وربما أن تدفع أيضًا.


ويرفض الكاتب هذه الرؤية، مؤكدًا أن لإثيوبيا حقًا في التنمية، لكنها لا تملك حق ملكية النيل. ولا يمكن أن يحدد مستقبل النهر الطرف الذي يصب أكبر كمية من الخرسانة في أعاليه، بل ينبغي أن تحكمه قواعد تقبل بها جميع الدول التي تعتمد على مياهه.

 

https://www.eurasiareview.com/06092026-the-nile-is-not-ethiopias-to-control-or-to-price-oped/